صعدة مدينة السلاح... حقل الرمان والقبور

محافظة صعدة شمالي اليمن التي لم يكن أحد خارج البلاد يسمع عنها حتى العام 2004، أصبحت حاضرة في أغلب وسائل الإعلام العالمية تقريباً. ورغم أن أهلها يسمّون مركزها (مدينة صعدة) "مدينة السلام"، إلّا أنّ حضورها الإعلامي ارتبط بالحرب التي لا تقف إلّا لتشتعل مرة أخرى، منذ مطلع الألفية الجديدة، وصارت ماركتها الأشهر تتمثّل في قبورها الخضراء الممتدة على جغرافيتها، في مقابر عملاقة، إحداها تعتبر الأكبر في اليمن. كما أنّ منتجها الأكثر شيوعاً أصبح صرختها الشهيرة المعروفة عند جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) بـ"الشعار" المنادي بـ"الموت لأميركا وإسرائيل"، بعد أن كان اسمها يرتبط بأجود أنواع الرمان والعنب، وأشهر علماء المذهب الزيدي، باعتبارها "كرسي الزيدية"، أي مقرّ مرجعيات وعلماء المذهب الزيدي (الهادوي)، الذي انطلق منها في القرن التاسع الميلادي على يد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين.

وأسّس الهادي مدينة صعدة المعروفة، اليوم، على مقربة من المدينة التاريخية الأقدم، واتخذها مركزاً لدعوته الدينية والسياسية معاً. فقد أطلق دعوته بأحقية (آل البيت) للحكم، وتلقّى استجابة من قبائل صعدة لانحداره من ذرية علي بن أبي طالب. ومن يومها تحوّلت المدينة إلى مركز انطلاق لدعوات مماثلة خلال القرون العشرة التالية، وكانت هي المعقل الأخير لمحمد البدر، آخر من حكم اليمن من سلالة الأئمة الزيديين، قبل أن تخضع للدولة الجديدة والنظام الجمهوري بعد المصالحة الوطنية بين الملكيين والجمهوريين برعاية سعودية عام 1970. كما أنها آخر محافظة بسطت الجمهورية سيطرتها عليها بعد ثورة سبتمبر/أيلول 1962، لكن حضور الدولة الجمهورية فيها ظلّ رمزياً، حتى ظهور تنظيم "الشباب المؤمن"، الممهّد الأول لجماعة الحوثيين المعروفة اليوم، واشتعال شرارة الحرب الأولى بين الجماعة والدولة في يونيو/حزيران 2004.

تمتدّ محافظة صعدة على مساحة 11375 كيلومتراً مربّعاً، ويقطنها قرابة 900 ألف نسمة، يتوزّعون على 15 مديرية. كانت تسمّى "لواء الشام" في التقسيم الإداري السابق لليمن الشمالي، إذ كل ما يقع شمالاً كان يسمى الشام، وكل ما يقع جنوباً كان يسمى اليمن، كما تدل تسميات باب اليمن في الأسوار الجنوبية لكل من مدينتي صنعاء وصعدة التاريخيتين. وهي محاذية للحدود السعودية الجنوبية من نجران شرقاً حتى جيزان غرباً، وتتوزّع تضاريسها بين المرتفعات الجبلية غرباً حتى أطراف صحراء الجوف شرقاً، وتبعد عن صنعاء العاصمة قرابة 242 كيلومتراً، وتتداخل قبلياً مع نجران السعودية بقبائل وائلة ويام، ما جعل حركة أبنائها بين اليمن والسعودية أكثر سهولة.

وتعدّ نسبة التعليم في صعدة، واحدة من أقلّ المعدلات في اليمن، خصوصاً بالنسبة لتعليم الإناث. وغالباً ما يلتحق أبناؤها بمراكز التعليم الدينية التي انتشرت، منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، عند عودة مقبل بن هادي الوادعي من السعودية، وتأسيسه بدعم منها، مركز "دار الحديث" في منطقة دماج، والذي يعدّ أول اختراق سلفي وهابي للمحافظة الزيدية. وتزامن ذلك مع عودة بدرالدين الحوثي من السعودية أيضاً، والذي عمل وأبناؤه لاحقاً على مواجهة السلفيين وإعادة إحياء المذهب الزيدي، كسلّم صعدت عليه جماعة الحوثيين إلى واقعها اليوم.

لم تعمل الدولة المركزية في صنعاء على تنمية المحافظة ومدّ يد العون لأبنائها الفقراء المعتمدين على الزراعة بشكل أساسي، فكان فراغها هدية لمن يريد ملأه بأدوات ومضمون مختلفين. وكان حضور التعليم النظامي بشكل محدود، دافعاً لانتشار التعليم الديني القائم على أسس مذهبية بين السلفيين الوهابيين وبين الزيديين، فنشأ نتيجة ذلك جيل متناقض الأفكار والرؤى وغير متسامح مع بعضه، وكان استقطابه لأي حرب لها طابع مذهبي أسهل وأسرع.

ملأت الجماعات الدينية فراغ التعليم والتثقيف في عقول الأجيال، وملأت القبيلة فراغ السلطة، ومثّلت المرجعية الأولى لأية خلافات بين الأفراد أو القبائل دون الدولة. وكان أيّ مكتب حكومي تنفيذي يحتاج من أجل العمل، لرعاية وترخيص شيخ القبيلة التي يقع في إطارها، وحمايته من اعتداءات المسلحين القبليين، الذين يرون وجود سلطات الدولة تدخّلاً في مناطقهم بدون مبرر، فاستمر ضعف الدولة حتى تلاشى كلياً خلال السنوات الأخيرة.


من لم يعمل بالزراعة من أبناء صعدة، عمل بالتهريب على طول الحدود مع السعودية. وانتشرت تجارة السلاح أيضاً بحكم تركة حرب الجمهورية والبعد عن هيمنة الدولة، وأصبحت سوق الطلح بصعدة أشهر سوق سلاح في اليمن، وفارس مناع (شقيق محافظ صعدة المعين في 2011) أشهر تاجر سلاح في اليمن، وفي الشرق الأوسط ككل، وتناولته العديد من التقارير الدولية حول تجارة السلاح، بل إنه كان التاجر اليمني الوحيد الذي يمتلك مكتباً تجارياً في أبراج منهاتن بنيويورك التي دمُّرت في أحداث 11 سبتمبر/أيلول عام 2001. وكانت اللجنة الخاصة السعودية مصدر المال الأول لشيوخ قبائل صعدة منذ الستينات، عندما انخرطوا للقتال في صف الملكيين الذين دعمتهم الرياض ضد النظام الجمهوري الوليد بصنعاء.

 
في مطلع التسعينات من القرن الماضي، أسس محمد عزان وعبد الكريم جدبان "منتدى الشباب المؤمن" في صعدة، والذي تحوّل إلى "تنظيم الشباب المؤمن" بعدها بسنوات، ومارس أنشطة اجتماعية وتعليمية في المحافظة، منطلقاً من مديريات حيدان ومران وضحيان، التي مثّلت المعقل الأول لجماعة الحوثيين، وجغرافية الحرب الأولى بين مؤسس الجماعة (حسين بدرالدين الحوثي) والدولة منتصف 2004، قبل أن تتوسّع رقعة الحروب الخمس التالية بين الجماعة والدولة، حتى تجاوزت حدود المحافظة ودخلت حدود السعودية، التي شاركت فيها خلال الحرب السادسة التي توقفت في فبراير/شباط 2010، بإعلان من الرئيس الراحل، علي عبدالله صالح، وبدأت بوادر إعادة إعمار صعدة بدعم قطري، لولا أنّ تطورات الأحداث في اليمن، أعادت المحافظة إلى جحيم الحرب مرة أخرى.

عندما دعت القوى المساندة لشباب الربيع العربي في اليمن إلى إسقاط المناطق، كانت صعدة أول محافظة يمنية تخرج على سلطة صالح في 2011. فقد سيطر عليها الحوثيون وعيّنوا محافظاً جديداً لها، بمباركة القوى الأخرى الشريكة لهم في ساحات التغيير. ولم تكن هناك سوى مناطق صغيرة منها خارج قبضتهم المباشرة، والتي عملوا على إخضاعها بالتجزئة، حتى انتهت كلها بأيديهم بعد تهجير السلفيين من منطقة دماج مطلع 2014، بعد أشهر من الصراع المسلح مع الحوثيين توسّع حتى البقع وكتاف، لتنهيه لجنة وساطة رئاسية بإقرار تهجير السلفيين من المحافظة كعملية غير مسبوقة في اليمن، حدثت بمباركة القوى الإقليمية التي تحارب الحوثيين اليوم.

تمدّدت جبهات القتال التي كانت وسيلة الحوثيين للتوسّع في المحافظات المجاورة بين 2013 و2014، بل وقبلها في حجة والجوف، وكان المسلحون من أبناء صعدة هم وقودها الأساسي، لكنهم أصبحوا يقاتلون خارج مناطقهم، إلى جانب مقاتلين قبليين من مناطق أخرى. بدأت مناطق صعدة ترمم ما دمرته الحروب الست من ممتلكاتها وجروح ما التهمته من أبنائها، وصارت جبال المحافظة مقصداً للجان الوساطة المحلية والأممية بعد أن أصبحت مركزاً صاعداً للقوة، وطرفاً مشاركاً في الحوار الوطني الشامل عبر الحوثيين. كما أنها احتلت المركز الثاني من حيث الأهمية في قضايا مؤتمر الحوار الوطني بعد القضية الجنوبية، وكانت قريبة من السلام الذي ارتبط باسمها، لو لم تقم النخبة الصعداوية/الحوثية بإسقاط المركز في صنعاء ومحاولة بسط هيمنتها على المناطق اليمنية الأخرى.


في مارس/آذار عام 2015، عاد جحيم القذائف إلى صعدة على يد قوات "التحالف العربي" بقيادة السعودية، وأعلنت الأخيرة صعدة منطقة عسكرية شاملة بعد أشهر على تدخلها في اليمن. تلقّت صعدة وسكانها من قذائف التحالف، أكثر مما تلقته أي محافظة يمنية أخرى، بعيداً عن الإعلام والمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في حين منع الحوثيون دخول أي شخص من خارج صعدة إلى محافظتهم، بمبررات أمنية، إلّا من كان لديه معرّف من أبناء المحافظة مع وجود سبب وجيه لدخوله إليها، وصار كل أبناء صعدة هدفاً محتملاً لغارات طيران التحالف. لكن النخبة الصعداوية تحوّلت إلى صانع القرار الأول في مركز الدولة بصنعاء، بعد أن عاشت سنوات كشخصيات متمرّدة وخارجة على القانون في نظر صنعاء.

وأخيراً، لم تعد السماء وحدها تمطر قذائف الموت على سكان صعدة، سواء من كان منهم مع الحوثيين أو من كان ضدهم، إذ تمّ فتح جبهات قتال على الأرض في محيط المحافظة من الجوف وحجة، ثم داخلها عبر جبهة البقع، أبرز الجبهات المفتوحة فيها الآن على الحدود مع السعودية. وبين يوم وآخر، تعلن قوات التحالف تحقيق تقدّم جديد في جغرافيا صعدة التي ما زال زعيم جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي، الهدف الأول للسعودية، مقيماً فيها. ويبدو أنها ستكون وجهة قتال أساسية ضد الحوثيين قبل صنعاء وبشكل مكثّف، بحسب المعطيات على الأرض.

استفادت نخبة صعداوية مقربة من زعيم الحوثيين، من كل مكاسب الحرب وتجارتها وسلطتها ونفوذها، وخلقت لباقي أبناء المحافظة، التي تكاد تخلو من فئة الشباب بفعل توجههم إلى جبهات القتال، ثأراً مع كل مناطق اليمن، التي واجهت التوسّع المسلّح للحوثيين خلال السنوات الأخيرة.

تراجعت مفردة السلام في صعدة، وحلّت محلها مفردة السلاح. تراجع المزارعون لصالح المقاتلين. تقلّصت المزارع لصالح المقابر. ارتبط الصعداويون بالحوثيين ولو كانوا ضدهم. تلاشى التعايش والتعدد لصالح اللون المذهبي الواحد للحوثيين. سادت "الولاية"، وتنحّت "الانتخابات". حلت "اللجان الشعبية" محل الجيش. حلّ شعار الصرخة محل النشيد الوطني اليمني، والولاء للسيد (زعيم الحوثيين) هزم عقيدة الولاء الوطني، وسيستمر هذا الوضع على المدى القريب والمتوسط كما يبدو في ظلّ مقامرة الحوثيين وبطش التحالف الأعمى.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص